اعتنى المسلمون في العصور الوسطى بصناعة الزجاج وطوروها؛ وذلك بعدما تعلموا طرق صناعتها من البلدان التي فتحوها، مثل مصر والشام، والعراق، وإيران، وكان ذلك لحاجتهم إلى الأواني الزجاجية التي تستخدم في العطور، والعقاقير، والإنارة، والشرب، وغيرها، ويتكون الزجاج من خليط من الرمل (سيليكا) والبوتاس والصودا، حيث تصهر معا حتى تتحول إلى سائل وتمتزج جيدا، وعند تبريده إلى درجة ما يكون مرنًا ويسهل تشكيله، يشكل الزجاج بواسطة أنبوبة حديدية طويلة ذات مبسم خشبي لحماية العامل من حرارة الأنبوب؛ حيث يغمس في السائل ويرفع على طرفها قطعة من الزجاج المنصهر.
ويعود اكتشاف الزجاج إلى أكثر من 10000عام، وتعود صناعته إلى عام2000 قبل الميلاد، من المدهش أنه لم يتم اكتشاف الآنية المجوفة حتى عام 1500 قبل الميلاد؛ يقوم العامل بنفخ الأنبوبة فتتحول الكتلة الزجاجية إلى فقاعة صغيرة أولا وتكبر مع استمرار النفخ، ثم تشكل الفقاعة حسب ما يريد الصانع، فقد يصنع منها قنينة أو إبريقًا أو أسطوانة أو غير ذلك، وكانت الزخرفة تنفذ بأساليب مختلفة، منها طريقة الضغط على الأواني وهي لا تزال لينة، وكذلك بطريقة الملقاط، أو بطريقة "الإضافة "، وهي تتم بلصق خيوط من الزجاج على جدران الأواني وهي لينة، أو لصق حامل من الزجاج الذي لا يزال ليّنًا، وربما يكون ملونًا وغير ذلك من الطرق الأخرى.
ولقد صنع المسلمون القدامى أنواعا كثيرة من الأواني الزجاجية؛ فوصلتنا هذه المجموعة المختلفة الأشكال التي ترجع إلى القرن الثاني أو الثالث الهجري، وتفوق هذا الزمان على غيره من الأزمان؛ وهذه آنية زجاجية ترجع إلى القرن الثالث الهجري، وهذا الإبريق الزجاجي المصنوع بالطريقة الرومانية يرجع إلى القرن الثاني الهجري عصر الدولة العباسية، أما هذا القدر فقد زخرف بطريقة "الإضافة" في مصر الفاطمية خلال القرن الخامس الهجري.
وهذا إبريق يرجع إلى القرن الثالث الهجري من الدولة العباسية، كما وصلتنا هذه المزهرية من عصر المماليك، وقد زودت فوهتها البديعة الصنع بخيوط زجاجية ملونة، أما هذه القنينة فذات بدن مضلع ونفّذت بالقالب وزخرفت رقبتها بإضافة خيوط زجاجية وهي من القرن الثامن الهجري، وهذا جزء من إناء فاطمي العصر، وقد ُزخرف بالكتابة الكوفية مع الكائنات المتقابلة ويرجع إلى القرن الخامس الهجري، أما هذه القنينة وتلك المكحلة فمن البلور الصخري، وقد زخرفتا بالقطع والشطف في مصر الفاطمية خلال القرن الخامس الهجري، والبلور هو زجاج مضاف إلى خلطته عناصر ثقيلة مثل الكوبلت، ويتميز بكثافة عالية، وهذه بعض المكاييل الزجاجية المخصصة للعطور أو السوائل الطبية من القرن الثاني الهجري من عهد الأمويين، كما صنع العرب المسلمون الموازين والِصنَج من الزجاج أيضا، فهذا ثقل ميزان يوازي رطلا ويرجع إلى عام 12 للهجرة، وهذا مثقال فلس من العصر الأموي المبكر، أما هذه الأصنَج فمن عهد "العزيز باَّلله" الخليفة الفاطمي، وهذا الثقل من عهد السلطان قايتباي، كما برع المسلمون في صنع المشكاوات؛ وذلك لإضاءة المساجد والمنازل وخلافه، وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم: (الله نُو ُر السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة....){النور: 37}، وقد وصلنا عدد من المشكاوات المملوكية من العصر المموهة بالمينا والمزخرفة بكتابة النسخ، وكذلك عليها زخرفة نباتات، وهذه المشكاة باسم السلطان "حسن" ، وقد موهت بالمينا، وزخرفت بكتابات نسخية قرآنية وزخرفة نباتية غاية في الإبداع، وهذه أيضا من عهد السلطان "حسن"، وقد زخرفت فقط بزخارف نباتية دقيقة بمهارة وإتقان، أما هذه المشكاة فباسم الأمير "شايخو" ساقي السلطان المملوكي الناصر "محمد بن قلاوون"، وتضم مع الكتابة النسخية الجميلة "رنك الكأس "الذي يشير إلى وظيفة الساقي؛ حيث تعتبر "الرنوك الوظيفية" سمة من سمات العصر المملوكي، واستخدم العرب المسلمون الزجاج في زخرفة النوافذ أيضا؛ حيث برعوا في صناعة الزجاج المعشق في الجص.
وتمر هذه الصناعة بعدة مراحل، بداية برسم الوحدات الزخرفية على الجص، ثم تبدأ مرحلة التفريغ أي التخريم لهذه الوحدات المراد تعشيقها بالزجاج، كما أن هناك مادة تعمل عكس مسحوق الزجاج، فتقوم بتثبيط وتقليل الذوبان ويستخدمها الصانع لتقليل الذوبان وتسمى بحبيبات الجير فيضعها هذا الصانع ليوقف العملية، وأخيرا تبدأ مرحلة تركيب القطع الزجاجية المختلفة الأحجام والألوان من الخلف وتثبت بالجص السائل، وما زالت هذه الطريقة المتوارثة تنتج لنا لوحات زخرفية متنوعة الأشكال تُشع من الضوء حالة من البهجة والإبهار، يقوم صانع الزجاج بإضافة مادة مساعدة للذوبان تساعده في تسريع العملية، وتسمى هذه المادة مسحوق الزجاج، فهي مادة مساعدة لصانع الزجاج في عملية تذويب الزجاج، ويبدو ذلك جليا في نوافذ العمائر الإسلامية المختلفة، كما استخدمتها الكنائس في مصر أيضا للتزيين وصناعة النوافذ الجميلة الملونة، كما استخدم المسلمون الزجاج في عمل زخارف الفسيفساء، ويظهر ذلك بوضوح في الجامع الأموي بدمشق الذي تضم زخارفه مناظر طبيعية بديعة، وتعتبر فسيفساء هذا المسجد أقدم نموذج للفسيفساء الزجاجية الإسلامية بعد قبة الصخرة.